الجزائر اليوم
تبادل اعلاني نصي : شات جزائري

العودة   الجزائر اليوم > فنون جميلة > لغة الضاد

جبران خليل جبران

حرصا من إدارة ''الجزائر اليوم'' على حفظ الحقوق الفكرية و الأدبية سواء داخل موقع ''الجزائر اليوم'' أو خارجه فانه يمنع نقل المواضيع أو الاقتباس بدون الإشارة إلى مصدرها الأصلي، في حال وجود أي مواضيع أو ردود مُخالفة من قبل الأعضاء، يرجى الإبلاغ عنها فورا باستخدام أيقونة ( تقرير عن مشاركة سيئة )، و الموجودة أسفل كل مشاركة.
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-08-2008, 06:03 PM
الصورة الرمزية Yacine
Yacine Yacine غير متواجد حالياً
الإدارة
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
جبران خليل جبران



جبران خليل جبران

نبي عصره، المجنون، الثائر، المتمرد والحكيم.. جبران خليل جبران، عبقري
من بلادنا. نشأ في ظلال الأرز، وانطلق الى العالم محملاً بروحانية أرضه
وأوجاع أهلها، فحمله إبداعه الى عرش مجد لم يرتقه سوى قلائل من
العباقرة.


طفولة وغربة
أبصر جبران خليل جبران النور في بشري في 6 كانون الثاني 1883، وهو
الولد البكر لخليل جبران ولكاملة رحمة في زيجتها الثالثة وشقيق بطرس
(أخوه من أمه) ومريانا وسلطانة. ترعرع في بشري مدللاً في طفولته، وتلقى
في مدرسة الخوري جرمانوس التابعة لدير مار ليشاع، أوليّات السريانية
والعربية. تفتح هذا الصبي المدلل على مجتمع مرهق بالتناقضات وتفاعلت في
أعماقه عوامل عدة: التربية الدينية، روعة الطبيعة الشمالية وجمالات
غابة الأرز الخلابة، وبطولات أسرته الجبرانية المعاندة في رفضها النظام
المتصرفي والهوية العثمانية. عرف جبران منذ تفتحه، مرارة أجداده
ومعاناتهم وهجرتهم الى الأميركيتين وأوستراليا إثر نفي يوسف بك كرم،
فقد تعرضوا للمداهمات المتلاحقة، والتي أدّت إحداها الى سجن والده وهو
في الثامنة من عمره، ومصادرة جيوش المتصرف منزل الأسرة العريق
وأملاكها. في التاسعة من عمره سقط عن صخرة عالية بالقرب من دير مار
ليشاع فانكسر عظم كتفه وصلب على خشبة بضعة أشهر ليلتحم العظم (يجبّر) ،
فاكتشف في ذاته معنى الصلب الذي عرفه مشهدياً في طقوس الصوم وأسبوع
الآلام. والكسر أودع يده اليمنى ضعفاً لازمه طيلة حياته ودفعه لاقتناء
عصاً نراها في صوره ولا تزال في محفوظاته. عندما بلغ جبران الحادية
عشرة من عمره خرج الوالد من السجن وكان الجوع يهدد أسرته، الأمر الذي
دفعها الى عبور حدود لبنان المتصرفية، فأقلعت في 25حزيران 1895 من مرفأ
بيروت متجهة صوب الولايات المتحدة الأميركية وتحديداً الى بوسطن حيث
الطموح البعيد.

الفتى الموهوب
إلتحق جبران في أوليفربليس بمدرسة الغرباء التي لم تقبله إلا عاماً
واحداً، وخلاله اكتشفت المدرّسة جسّي فرمونت بل موهبته في فن الرسم،
فبعثت رسالة الى النهضة الأدبية والفنية في بوسطن فردهو لند داي، تعرفه
بالفتى الموهوب مختصرة إسمه فيها بخليل جبران، فتولى الأخير التعريف به
في أميركا. في الوقت الذي كانت فيه الأسرة تعمل بجد لتحصيل لقمة العيش
من خلال الخدمة في البيوت وبيع الأنسجة اليدوية التي تحيكها مريانا ومن
الدكان الصغير الذي اقتناه شقيقه بطرس، كان جبران بصحبة قلمه الفحمي
الملون يرسم تمثال "الباخوسيات" ويقرأ بشغف ما يقدمه له داي الشغوف
بالنماذج الشرقية والذي تعرّف إليه في 9 كانون الأول 1896، فكان هذا
اللقاء فاتحة المستقبل المشرق للعبقري اللبناني، فقد تفجّرت طاقاته مع
دواوين الشعر الإنكليزي ومعاجم الميثولوجيات التي قدمها له داي، الذي
سهّل له التعرّف الى نخبة البيئة البوسطينية وأيقظ في أقلامه حس
استنطاق بواطن الكتب، وتجسيدها في رسوم كان لها دور في شهرته.
الإنطلاقة الأولى كانت في 8آذار، في معرض صور فوتوغرافية لداي حيث
تعرّف على جميلة بوسطن الشاعرة العميقة الثقافة جوزفين برستون بيبادي.
وشجعه داي على رسمها فرسمها وكانت نموذجاً لعديد من حالات إلهاماته.
التفتح على شيء يشمل كل طاقاته: الحب، الرسم، القراءة الكثيفة، التأمل،
التحوّل، تبدل المفاهيم الدينية باتجاه الميثولوجيا المقارنة بين
المجتمعات، الغربة، الوطن مسؤولية حياة يعيشها على حساب أسرته... كل
ذلك ساهم في نمو الشاعر الضبابي الذي يشد وراءه واقعاً تعبيرياً
محدوداً، أما المفتاح فضائع بين الصراعات التي يعيشها وقد اكتشفها داي
ووالدة جبران، فنظّما سفره الى لبنان ليتعلم العربية. بين مدرسة الحكمة
في ولاية بيروت وبشري لبنان المتصرفية مع والده، يكتشف جبران جرح الوطن
وحواجز العبور فينمو في داخله التمرد والعنف. وفي مدرسة الحكمة، اكتشف
فيه استاذه في العربية الخوري يوسف الحداد نفساً وثابة وعقلاً متمرداً
وعيناً هازئة بكل ما تقع عليه. ولم تطل الأيام حتى بدأ يجد طريقه
الفكري، فراح يكتب مقالات ينقحها الخوري الحداد لتنشر في مجلة"النهضة".

جبران والحب
رافق جبران في هذه المحطة نخبة كانوا روّاد التجديد في الشعر والرسم
والنحت والسياسة أمثال بشارة الخوري والأخطل الصغير ويوسف الحويك، إذ
جمعتهم مدرسة الحكمة. في النصف الثاني من هذه المحطة عرف في كيانه حباً
جارفاً نحو سلطانة تابت وهي أرملة، توفيت ووفاتها عمّقت في نفسه معنى
التجلّد والصلب الداخلي مجدداً. عواطفه ونزواته ومخيلته، كانت سابقة
لعقله ومعرفته، وقد أدرك هذا التفاوت فيه. وسط هذا الصراع الداخلي،
بلغه خبر وفاة أخته سلطانة، فحمله ليحط في بوسطن في أوائل نيسان 1902.
وبعد وفاة سلطانة بالسل ودّع جبران أخاه بطرس بالداء نفسه ومن ثم
والدته بداء السرطان، وكان كل ذلك في فترة لا تتجاوز السنة، فكانت
الأقدار الموجعة عاملاً إضافياً في تفجير عبقريته. بعد حبه الأول، حب
آخر جعل عاطفته أسراً جديداً، إنه حبه لجوزفين. مع هذه المرأة أدرك
جبران أن الجمال والعذوبة والشاعرية والصبا ليست الحب. وأدرك أن عليه
أن يجد جبران الرجل في نقيضه جبران العاطفي. وكانت تلك التجربة المدخل
الى مقالات "دمعة وابتسامة" التي نشرت في "المهاجر" لصاحبها أمين
الغريب بمعدل مقالين في الأسبوع. حاول داي مرة جديدة تحريره من
صراعاته، فكان وراء رحلته الى الشرق مواكباً أسرة أميركية في جولة شملت
مصر وفلسطين وبيروت. وبعين المنكوب المصارع يقرأ مرة أخرى القدر جاثماً
على صدر مهبط الحضارات الأولى. معرضه الأول الذي دفعه داي لاقامته في
محترفه، ساعده على تحقيقه كل الأصدقاء وبينهم جوزفين وحبيبها ليونيل
ماركس بروفسور الفيزياء في هارفورد الذي طلب من صديقته القديمة ماري
هاسكل بإصرار أن تزور المعرض... فكانت قصة جديدة ومرحلة جديدة في
حياته. تعرف جبران على ماري هاسكل عام 1904، فكانت بالنسبة له السيدة
الكريمة التي تعهدت انماء فنه ومواهبه. فقد اكتشفت فيه فناناً كبيراً،
وعرفت أن مستوى الفن في بوسطن ليس بقدر طموحه، فدفعته في إتجاه
الأكاديمي جوليان في باريس عاصمة الإبداع، متعهدة نفقاته سنتين وأربعة
أشهر 1910-1908)) وحفزته أيضاً على الكتابة باللغة الإنكليزية، فكانت
تنقّح أكثر مؤلفاته الأولى بهذه اللغة، خصوصاً "المجنون" و"السابق"
و"النبي". جمعت ماري هاسكل بجبران قصة حب كتبت على ستة آلاف صفحة من
الرسائل والكتابات اليومية، وامتدت بين العام 1908 والعام 1926 تاريخ
زواجها من رجل آخر. كانت عوائق الزواج بين جبران وهاسكل كثيرة، فهي
تشكو في مذكراتها من كبر سنها بالنسبة إليه (10سنوات) ومن بشاعتها، كما
ان وضعه المادي لم يكن مؤاتياً، وأدرك جبران أن عليه أن يرسم للحب
هدفاً أبعد منه ويحرره من قيود الزواج. وكان لجبران علاقة حب عبر
المسافات جمعته بالشاعرة مي زيادة التي كانت تعيش في القاهرة، وبدأت
تراسله الى نيويورك منذ العام 1912 ولغاية آذار 1931، أي قبل وفاته
بنحو نصف الشهر. تضمنت الرسائل المتبادلة بينهما دراسات حول مؤلفات
جبران وآفاق الحركة الثقافية في نيويورك ومصر. ولا تخلو هذه الرسائل في
العديد من صفحاتها من العتوبة والملامة التي يتداولها العشّاق ومن
تلميح الى الحب وتصريح به، غير أن هذا الحب ظل من دون لقاء. أما سلمى
كرامة فهي شخص ابتكره جبران ابتكاراً، وعندما حلل طبيعة هذا الشخص
لماري هاسكل قال:"سلمى كرامة نصفها "بياتريس" ونصفها "فرانشيسكا".
ولكنه لا ينفي اختباره للأحداث الواردة في قصة الأجنحة المتكسرة.

الناي والعود وباريس
تأثره بالناي، برنين عود أخيه بطرس، وبالحفلات الموسيقية "الوغنرية"
التي عشّقه إياها داي... عوامل تكمن وراء كتيب "الموسيقى" الذي نشره
عام 1905. وبعده كرّت سبحة المقالات والأقصوصات، فصدرت في العام 1906
عرائس المروجŒ وعام 1908 مجموعة "الأرواح المتمردة". قصد باريس مؤمناً
بذاته وفنه، ناشداً تقنية لم يكتشفها بعد، باحثاً عن أبعاد الشكل
واللون، ناهداً الى التغلغل حتى نبض الجذور الخبيئة. وهناك تتلمذ جبران
على يد أشهر رسام معاصر هو رودان (كان ذلك سنة 1908) . كما تأثر وأعجب
بشكسبير وكان يتوق الى تأليف كتاب عنه. كما أعجب بالشاعر الألماني
سونيبيرن. وفي باريس أيضاً اكتشف جبران الفيلسوف نيتشيه من خلال قراءته
لكتابه "هكذا تكلم زرادشت" الذي توجد منه نسختان بالإنكليزية في مكتبته
الشخصية في متحفه في بشري * ولاحقاً اشترى جبران مؤلفات نيتشيه
بالكامل. تأثر جبران بفلسفة القوة في كتاب "زرادشت"، وبدا هذا التأثر
في كتاب "العواصف"، غير أنه عامي 1914- 1915 * بدأ ينقضه، وهذا ما
انعكس في تطوره الفكري كما نلاحظه في كتابيه "المجنون" و"السابق". من
باريس عاد الى بوسطن، وفي سنة 1912 انتقل الى نيويورك، واستقر فيها.
تقنيته في الرسم الزيتي والفحم لم ترضَ عنها المدارس الحديثة. فتناوله
النقد بقساوة سطحية، لكنه أعلن تمرده عليها متوقعاً لها الزوال، مصرّاً
على ضرورة عرض نتاجه الجديد. ماري هاسكل المؤمنة بفنه قاسمته مشقة
تجهيز وإخراج المعرض في قاعة "مونتروس" في شباط 1914. فأكد نفسه فناناً
ولكنه ندم على معارضه السابقة، وكان له الموقف بالنسبة لأدبه، إنه
التحوّل الكبير يولّد إنسانه الجديد المتمرد، الثائر، الجبار، العنيف،
"ومن يعتدل في إظهار الحق يظهر نصفه".

الوطن في فكر جبران
انغماس جبران بالأدب والرسم، لم يصرفه عن الاهتمام بقضايا وطنه
السياسية وغيرها، فقد كان وطنياً صادقاً، ينتهز كل مناسبة لمساعدة
أبناء وطنه بعمله، وماله وقلمه. ولم يعش بعيداً بحسه وفكره عن بني
قومه، بل إن العبودية التي يرسف في أغلالها العالم العربي، كانت تمزّق
وجدانه، والثورة على الظلم والضعف والتخلّف، تجعله يصرخ بأعلى صوته
منادياً الحرية. أوجاع بلاده القديمة، ظلت تلاحقه فإذا به مع أيوب تابت
وشكري غانم يؤسسان نواة حزب كانت شاغله السياسي لاحقاً خصوصاً بين 1912
و1920. لقد أثّرت الحرب العالمية الأولى مع ما رافقها من أهوال في
جبران تأثيراً كبيراً، مما دفعه الى انتهاز كل الفرص والمناسبات
لمساعدة أبناء قومه بجميع الوسائل، في هذه الفترة كتب مقالة "مات
أهلي"، وفي سنة 1917 شغل منصب أمين سر "لجنة إغاثة المنكوبين في سوريا
ولبنانŒ، وراسل أبناء وطنه المقيمين في أميركا وباريس محاولاً إقناعهم
بالسعي لتحقيق استقلالهم عن طريق الثورة. لكن جبران لم يخلق ليكون
سياسياً، فانقطع عن العمل السياسي منصرفاً الى الأدب والرسم، وأسس في
بيته "الرابطة القلمية"، وانتخب عميداً لها سنة 1920، سنة بدء
اضطراباته الصحية بالظهور.

جبران النبي
في سنة 1933، انصرف الى التأليف باللغة الإنكليزية بنجاح فريد، وأصدر
عدداً من الكتب وصل الى الثمانية، وذلك خلال ثمانية أعوام. كان أهم هذه
الكتب كتاب "النبي" الذي لاقى شهرة عالمية، وهزّ ضمير العالم العربي
والأميركي والأوروبي، ببساطته وعمقه، والأبعاد التي يوحيها، الى دقة
تركيبه وموسيقاه الشاعرية، واحتجاجه على أي قيد يقيد الحرية والجمال...
نشر "النبي" فوصل حتى الكنائس، وأصبح يدرّس في الجامعات الأميركية
والعالمية ويتصدّر المكتبات العالمية بلغاته المتعددة. فلقد ترجم الى
الألمانية والفرنسية بعد صدوره بسنتين، ويعتبر "النبي" الكتاب الرابع
انتشاراً في العالم.

هذا الرجل من لبنان
في نيويورك تعمق الناس كتّاباً وفنّانين، ورواد مكتبات، في أثر "وجه
المصطفى" في نفوسهم، كما ناقشوا طويلاً تلك الرؤى التي مثلت أكثر فصول
الكتاب. وممن حملهم الكتاب الى صاحبه، الشاعرة بربارة يونغ ملازمته حتى
وفاته والتي عهدت اليها ماري هاسكل ومريانا شقيقة جبران السهر على
محترفه. عام 1939 قامت يونغ برحلة الى موطن جبران لتقرأ خلفيات تكوينه
في بشري ومدرسة الحكمة، ومن جديد استنطقت لوحاته لتضع كتابها "هذا
الرجل من لبنان". يقول جبران في أحد رسائله التي دوّنتها ماري هاسكل في
يوميات 16 حزيران 1923: "ألم أخبرك كيف رأيت وجه النبي؟ ذات ليلة كنت
أطالع كتاباً وأنا في فراشي، تعبت. توقفت وأغمضت عيني... وأثناء هذه
الغفوة رأيت ذاك الوجه واضحاً جلياً... ودامت الرؤيا على وضوحها دقيقة
أو دقيقتين ثم اختفت. و"النبي" كان محاولة مني لإعادة رسم "وجه يسوع"،
وما أكثر ما عانيت في "النبي". أكون مع صحب الى مائدة... وإذا بالوجه
يتراءى فجأة... فأرى منه ظلاً أو خطاً معيناً... فأتمنى... الذهاب الآن
الى المحترف لأضع هذا الخط مكانه في اللوحة. وأكون أحياناً نائماً...
فأستيقظ فجأة وقد اتضحت لي تفاصيل جديدة فأنهض وأرسمها". حقق جبران
شهرة كبيرة في أميركا لم يبلغها أيّ من العباقرة معاصريه، ودرّت عليه
كتبه أرباحاً طائلة، فنزعت من قلبه طعم المرارة، ومن قلبه حرارة
الشكوى. وبينما كان متربعاً على قمة مجده الأدبي، تمكّن منه المرض،
فوافته المنية في مستشفى القديس "فنسنت" في نيويورك في العاشر من نيسان
من العام 1931، ونقلت رفاته الى لبنان في 21 آب من العام نفسه، ودفن في
دير مار سركيس قرب بشري بحسب وصيته، في المكان الذي كان يحلم بالعودة
إليه. وقد أوصى بمعظم رسومه لصديقته ماريل هاسكل التي ساعدته في طريقه
الى مجده الأدبي والفني، وبأمواله لأخته مريانا التي ساعدته أيام عسره،
بما كانت تجنيه بإبرتها، وبريع كتبه لبلدته بشري. وبموته بدأ جبران
يعيش فينا بأدبه وفنه وفكره. منشور النبي في مسائل المجتمع "الأدفليسي"
جعلت جبران أكثر من كاتب ورسام وحكيم. إنه معلم روحاني يبسط الحياة
فيردها الى نقائها الطبيعي. مشى جبران قبل أن يقول كلمته التي اعتبرها
رسالته في الحياة، ولم يتحقق ما كان يصبو إليه من عالم مثالي يسوده
الأمن والسلام والطمأنينة والإخاء... وقد قال لصديقته مي زيادة: "لا لم
أقل كلمتي بعد، ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان....
استند هذا المقال الى كتابات عدة حول جبران أبرزها: "جبران في متحفه"
لوهيب كيروز، ومخطوطة "جبران في عصره لتغيير عصر" للمؤلف نفسه.

تكريم العبقري الذي استبق العولمة في العالم
جبران، العبقرية اللبنانية التي عانقت العالم بالأفكار الشمولية، التي
هي اليوم أساس ثقافة السلام المرتكزة على المساواة بين الرجل والمرأة
والعدالة والحرية والديموقراطية والإيمان ووحدة الأديان والسلام بين
الشعوب. جبران، الذي استبق العولمة ووضع حلولاً للمشاكل الإنسانية
والثقافية، كُرّم في مختلف دول العالم من خلال نشاطات متعددة خلّدت
اسمه هنا بعضها:
حديقة جبران في واشنطن:
في أوائل التسعينات، أنشـئت حديقـة بالقـرب مـن المكتبة الوطنية في
واشنطن أطلق عليها اسم "جبران خليل جبران".

معرض معهد العالم العربي * باريس 1998: بجهود الكاتب الشاعر عيسى مخلوف
إبن بلدة أهدن في شمال لبنان {المقيم في باريس} وبالتعاون مع لجنة
جبران الوطنية أقام معهد العالم العربي في باريس معرضاً حول البعد
الفني للوحات جبران تحت عنوان "جبران: فنان ورؤيوي". وشكل هذا المعرض
صدمة للجمهور الفرنسي الذي تعرّف الى جبران الرسام للمرة الأولى، وعبرت
عن ذلك دهشة وزيرة الثقافة الفرنسية خلال زيارتها الجناح اللبناني.

مؤتمر جبران العالمي الأول: جامعة ماريلاند سنة 1999: أقامت جامعة
ماريلاند في الولايات المتحدة بالإشتراك مع لجنة جبران الوطنية المؤتمر
الأول لجبران تحت عنوان: "جبران خليل جبران: داعية سلام ورائد في حقوق
الإنسان" تزامناً مع إعلان منظمة الأونيسكو العام 2000العام العالمي
للسلام". شارك في المؤتمر 42باحثاً وأستاذاً جامعياً وشاعراً وكاتباً،
حضروا من أقطار العالم كله... وكرّس هذا المؤتمر جبران رسمياً في
المناهج الجامعية الأميركية كشخصية أدبية أميركية من لبنان.

معرض جبران في متحف سرسق * بيروت 1999: استقرت لوحات جبران فوق جدران
القصر العريق في الأشرفية المعروف بمتحف سرسق، في معرض يليق بصاحب
النبي، تخللته قراءة دقيقة متأنية للرسائل المتبادلة بين جبران وماري
هاسكل. ولقد شهد المعرض تمديد فترته الأساسية ثلاث مرات، وأمّه أكثر من
50 ألف زائر، مما شكل ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المتحف.

حديقة جبران في بيروت: برعـاية رئيـس مجلس الوزراء تم إطلاق إسم الشاعر
والأديب والفيلـسوف اللبـناني جـبران خلـيل جبران على الحديـقة الكائنة
أمام مبنى الإسكـوا في الوسـط التجاري في 27 تمـوز 2000. وحـمـلت
قاعـدة التمـثال في الحديقـة قول جـبـران: "لو لم يـكن لبـنان وطـني
لاتخذت لبـنان وطـني".

مؤلفات حول جبران وعالمه
هناك المئات من المؤلفات والكتب التي غاصت وتعمقت في عالم جبران
وفلسفته منها: * الدراسات المعاصرة، كتاب باللغة الإنكليزية عن جبران
خليل جبران وعالمه، "Kalil Goubran, his Life and World “ للمؤلف
النحات خليل جان جبران المقيم في بوسطن.
-كتاب للمؤلف البريطاني روبن واترفيلد "جبران خليل جبران نبي عصره".
- * "عالم جبران الفكري" مجلدان للمؤلف والكاتب وهيب كيروز (حافظ متحف
جبران) .
- * "جبران خليل جبران بين الجسد والروح" للدكتور فؤاد أفرام البستاني.
- * دراسة "سيرة جبران في أبعادها الوجودية" باللغة الفرنسة للدكتور
بول العاصي طوق، وهي أطروحة دكتوراه ناقشها في جامعة "ستراسبورغ". *
"هذا الرجل من لبنان" للشاعرة بربارة يونغ.

أعمـالـــه
بالرغم من كثرة المصائب التي حلّت بجبران، واعتلال صحته، وقصر حياته،
ترك ستة عشر كتاباً عربياً وإنكليزياً، وآلافاً من الرسوم التي نشر
بعضها في كتبه. مؤلفاته باللغة العربية هي:
v الموسيقى
v عرائس المروج
v الأرواح المتمردة
v المواكب* العواصف
v الأجنحة المتكسرة
v دمعة وابتسامة
v البدائع والطرائف

أما مؤلفاته باللغة الإنكليزية فهي:
v المجـنون
v السابق
v رمل وزبد
v التائه
v حديقة النبي
v آلهة الأرض
v النبي
v يسوع ابن مريم.



رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:04 PM   #2
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
واجه جبران خليل جبران (1883 - 1931) عصره; فتعارفا وكان صراع .. سافر شاعرًا في أبعاد العصر ليبلور الحكمة الكامنة, علّه يدفع بالإنسان نحو ذاته الفضلى.

من (بشرِّي) لبنان (1883 - 1895), حيث ولد وحيث تفتح وجدانه وخياله, انتقل إلى (بوسطن) (1895 - 1898) التي كانت تشهد -آنذاك- نهضة فكرية, وعاد إلى (بيروت) (1898 - 1902) ليعيش نكبات شرقه وتخلّفه, بينما كان يستزيد من تعلم العربية في بلاده. ثم إلى (بوسطن) ثانية (1902 - 1908), ليعيش تجربة الموت الذي حصد أسرته (1902 - 1904), ثم إلى (باريس) (1908 - 1910) ليسبر عمق التحول الثقافي والفني الذي كانت تشهده, وبعدها (نيويورك) (1911 - 1913), حيث يدرك معنى المدينة الحديثة في أوسع مفاهيمها.

ووسط (العالم الجديد), يناديه التاريخ في الحواضر العريقة فيسيح في مصر وفلسطين وسورية (1903), وتجذبه روما ولندن; فيقرأ فيهما نموّ الوعي الخلاّق في رحم التاريخ.

وتقدم الحرب العالمية الأولى لجبران أغزر وأغنى مادة للتأمل الجذري في طبيعة القوة وماهية الضعف في النفس البشرية. وينتهي إلى اكتشاف مكنون إنساني أعمق وأبعد من ظواهر القوة والضعف, هو قدرة الإنسان الروحية اللامتناهية, التي رأى التوصل إليها ممكنًا عبر الحوار الباطني مع النفس ومع الإنسانية.

كان ذلك الحوار هو طريق جبران إلى التجربة الصوفية, وكان -أيضًا- مصدر تحوّله من الرومنسي إلى رافض الحَرْفية والأنظمة الفكرية والفلسفية, ليركن إلى شاعرية الحكمة.

منذ أوّل مقال نشره بعنوان (رؤيا), وأول معرض للوحاته (1904) حتى اليوم, تتشاسع مدارات انتشار نتاج جبران; فيزداد -باضطراد- عدد ترجمات مؤلفه (النبي) ليتجاوز الثماني والعشرين لغة. وتقف العواصم الحضارية بإجلال أمام أعماله التشكيلية التي يقتنيها عدد من أهم متاحف العالم.

ويتكثف حضور جبران: الشاعر, والحكيم و(خلاّق الصور) كما كان يسمي نفسه. ويتفرّد نتاجه بمخيلة نادرة, وبإحساس خلاق مرهف, وبتركيب بسيط. وبهذه الخصائص, تبلور في لغته العربية -كما في الإنكليزية- فجر ما سيُدعى - فيما بعد- (القصيدة النثرية) أو (الشعر الحديث).

ويمكن تبيّن أربع مراحل في إنتاج جبران:

الرومنسية: كما تنعكس في كتيب (نبذة في الموسيقى) (1906), وأقصوصات (عرائس المروج) (1906), و(الأرواح المتمردة) (1908), و(الأجنحة المتكسرة) (1912), ومقالات (دمعة وابتسامة) (1914), والمطوّلة الشعرية (المواكب) (1919).

الثورية الرافضة: تتصعّد الرومنسية لتنتهي إلى اكتشاف أن القوة الإنسانية تكمن في الروح الخاص والعام, كما في مقالات وأقصوصات وقصائد (العواصف) (1920), و(البدائع والطرائف) (1923), وفي كتابه بالإنكليزية (آلهة الأرض) (1931).

الحِكَمية: تعتمد المثل أسلوبًا, كما في ثلاثيته إنكليزية اللغة: (المجنون) (1918), (السابق) (1920), و(التائه) (1923).

التعليمية: وفيها يختصر جبران خلاصات تجاربه وتأمله الحياة, والإنسان, والكون والعلاقات المتسامية. وهي المرحلة التي تُعَدّ ذروة نضجه الذي يتبدّى في ثلاثية أخرى باللغة الإنكليزية: (النبي) (1923), (يسوع ابن الإنسان) (1928), و(حديقة النبي) (1933).

ويكاد هذا النتاج / الموقف أن يكون علامة فارقة في تراث تباينت حوله الآراء, لكن كان هناك دائمًا إجماع على شموليته الإنسانية التي تروحن الغرب بحكمتها الصوفية, وتُخرج الشرق من المطلقات المسبقة إلى التجربة الشخصية الحية باتجاه المطلق.
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:04 PM   #3
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
صوت الشاعر


القوة تزرع في أعماق قلبي.

وأنا أحصد وأجمع السنابل وأعطيها أغمارًا للجائعين.

الروح يُحيي هذه الجفنة الصغيرة,

وأنا أعصر عناقيدها وأسقيها للظامئين.

السماء تملأ هذا السراج زيتا,

وأنا أُنيرُه وأضعه في نافذة بيتي من أجل العابرين في ظلمة الليل.

أنا فاعِلٌ هذه الأشياءَ لأنَّني أحيا بها.

وإذا منعتني الأيام, وغلَّت يدي الليالي, طلبت الموت...

البشر يضجون كالعاصفة,

وأنا أتنهد بسكينة, لأني وجدت عنف العاصفة يزول وتبتلعه لجة الدهر, أما التنهدة فتبقى ببقاء الله.

البشر يلتصقون بالمادة الباردة كالثلج,

وأنا أطلب شعلة المحبة لأضمَّها إلى صدري فتتآكل ضلوعي وتُبرى أحشائي,

لأني ألفيتُ المادَّة تُميت الإنسان بلا ألم والمحبَّة تُحييه بالأوجاع.

البشر ينقسمون إلى طوائف وعشائر,

وينتمون إلى بلاد وأصقاع.

وأنا أرى ذاتي غريبًا في بلد واحد,

وخارجًا عن أمة واحدة...

فالأرض كلها وطني

والعائلة البشرية عشيرتي...

لأني وجدت الإنسان ضعيفًا ومن الصغر أن ينقسم على ذاته,

والأرض ضيقة ومن الجهل أن تتجزَّأ إلى ممالك وإمارات.

البشر يتكاتفون على هدم هياكل الروح,

ويَتَعاوَنُون على بناء معاهد الجسد, وأنا وحدي واقف في موقف الرثاء,

على أنني أصغي فأسمع من داخلي صوت الأمل قائلاً: مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع

مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع

كذا تعلّمه الغباوَةُ سُبُلَ المعرفة;

فالأوجاع والغباوة تؤول إلى لذَّةٍ عظيمة ومعرفة كاملة

لأن الحكمة السرمدية لم تخلق شيئًا باطِلاً تحت الشمس

[ من مقال في كتاب "دمعة وابتسامة"
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:05 PM   #4
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
الشاعر


أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة,

غير أنها تجعلني أفكر أبدًا بوطن سحري لا أعرفه,

وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني.

أنا غريب عن أهلي وخلاني, فإذا ما لقيت واحدًا منهم

أقول في ذاتي:

من هذا? وكيف عرفته?

وأي ناموس يجمعني به? ولماذا أقترب منه وأجالسه?

أنا غريب عن نفسي, فإذا سمعت لساني متكلمًا تستغرب أذني

صوتي. وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة, باكية, مستبسلة,

خائفة... فيعجب كياني بكياني,

وتستفسر روحي روحي,

ولكنني أبقى مجهولاً مستترًا,

مُكتَنَفًا بالضباب,

محجوبًا بالسكوت.

أنا غريب عن جسدي, وكلما وقفت أمام المرآة أرى في

وجهي ما لا تشعر به نفسي, وأجد في عيني ما لا تُكِنُّه أعماقي.

أسير في شوارع المدينة فيتبعني الفتيان صارخين:

هوذا الأعمى فلنعطِه عكازة يتوكأ عليها, فأهرب منهم مسرعًا.

ثم ألتقي سربًا من الصبايا فيتشبَّثن بأذيالي قائلات:

هو أطرش كالصخر فلنملأ أذنيه بأنغام الصبابة والغزل, فأتركهنَّ راكضًا.

ثم ألتقي جماعة من الكهول فيقفون حولي قائلين:

هو أخرس كالقبر فتعالوا نقوّم اعوجاج لسانه, فأغادرهم خائفًا.

ثم ألتقي رهطًا من الشيوخ فيومئون نحوي بأصابع مرتعشة قائلين:

هو مجنون أضاع صوابه في مسارح الجن والغيلان.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وقد جُبتُ مشارق الأرض ومغاربها, فلم أجد

مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا من يسمع بي.

أستيقظ في الصباح فأجدني مسجونًا في كهف مظلم

تتدلَّى الأفاعي من سقفه وتدب الحشرات في جنباته, ثم

أخرج إلى النور فيتبعني خيال جسدي.

أَمَّا نفسي فتسير أمامي إلى حيث لا أدري, باحثة عن

أمور لا أفهمها, قابضة على أشياءَ لا حاجة لي بها.

وعندما يجيء المساء, أعود وأضطجع على فراشي

المصنوع من ريش النعام وشوكِ القَتَاد, فتراودني أفكار

غريبة, وتتناوبني ميول مزعجة, مفرحة, موجعة, لذيذة...

وعندما ينتصف الليل تدخل عليّ, من شقوق الكهف,

أشباح الأزمنة الغابرة,

وأرواح الأمم المنسية...

فأحدّق إليها وتحدّق إليّ,

وأخاطبها مستفهمًا فتجيبني مبتسمة.

ثم أحاول القبض عليها فتتوارى مضمحلة كالدخان.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسي.

أسير في البرّيَّة الخالية, فأرى السواقي تتصاعد

متراكضة من أعماق الوادي إلى قمة الجبل, وأرى

الأشجار العارية تكتسي وتزهر وتثمر وتنثر أوراقها في

دقيقة واحدة, ثم تهبط أغصانُها إلى الحضيض وتتحوَّل

إلى حياتٍ رقطاء مرتعشة. وأرى الأطيارَ تنتقل

متصاعدة, هابطة, مغردة, مولوِلة, ثم تقف وتفتح

أجنحتها وتنقلب:

نساء عاريات,

محلولات الشعر,

ممدودات الأعناق...

ينظرْنَ إليّ من وراءِ أجفانٍ مكحولةٍ بالعشق,

ويبتسمن لي بشفاه ورديَّةٍ مغموسةٍ بالعسل,

ويمدُدْنَ نحوي أيديا بيضاء, ناعمة, معطرة بالمر

واللبان, ثم ينتفضن ويختفين عن ناظري ويضمَحْلَلْنَ

كالضباب تاركات في الفضاء صَدَى ضَحِكِهِنَّ منّي واستهزائِهِنَّ بي.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا شاعر أنظم ما تنثره الحياة

وأنثر ما تنظمه.

ولهذا أنا غريب وسأبقى غريبًا حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني

[ مقال في كتاب (العواصف
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:05 PM   #5
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
أمام عرش الجمال


هربتُ من الاجتماع وهِمْتُ في ذاك الوادي الواسع...

مصغيًا إلى محاورات العصافير... وجلستُ أسامِرُ وَحْدَتي وأناجي نفسي.

نفس ظامئة رأت كل ما يرى سرابًا وكل ما لا يرى شرابًا.

ولما انطَلَقَتْ عاقِلَتي من محبس المادة إلى فضاء الخيال,

التفتُّ فإذا... حورية لم تتخذ من الحلي والحلل سوى غصن من الكرمة تستر

به بعضَ قامَتِها, وإكليلٍ من الشقيق يجمع شعرها الذهبي...

وإذ عَلمَتْ من نظراتي أنني مسلوب الفجأة والحيرة, قالت:

أنا ابنة الأحراج فلا تجزع.

... أنا رمز الطبيعة.

أنا العذراء التي عبدها آباؤك فبنوا لها مذابح وهياكل في بعلبك وأفقا وجبيل...

أما ألوهيتي فهي مستمدة من جمال تراه كيفما حولت عينيك.

جمال هو الطبيعة بأسرها.

جمال كان بدء سعادة الراعي بين الربى,

والقروي بين الحقول,

والعشائر الرحل بين الجبل والساحل.

جمال كان للحكيم مرقاة إلى عرش حقيقة لا تجرح.

قلتُ ودقاتُ قلبي تقول ما لا يعرفه اللسان:

إن الجمال قوة مخيفة رهيبة.

فقالت وعلى شفتيها ابتسامة الأزهار,

وفي نَظَرِها أسرارُ الحياة:

أنتم البشر تخافون كل شيء حتى ذواتكم.

تخافون السماء وهي منبع الأمن.

تخافون الطبيعة وهي مرقد الراحة...

وبعد سكينة مازَجَتْهَا الأَحلامُ اللَّطيفة سألتها:

ما هذا الجمال...?

قالت:

هو ما كان بنفسك جاذب إليه.

هو ما تراه وتودُّ أن تُعطِي لا أن تأخذ.

هو ما شَعَرْتَ, عند ملقاه, بأيد ممدودةٍ لضمّه إلى أعماقك.

هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة.

هو ألفة بين الحزن والفرح.

هو ما تراه محجوبًا وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتًا.

هو قوة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي فيما وراء تخيلاتك...

واقتَرَبَت ابنَةُ الأحراج منِّي,

ووضعت يدها المُعَطَّرة على عيني, ولما رَفَعَتْهَا رأيْتُنِي وحيدًا في ذلك الوادي.

فرجعت ونفسي مردّدة:

إن الجمال هو ما تراه وتود أن تعطي لا أن تأخذ

[ فقرات من مقال في كتاب (دمعة وابتسامة
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:05 PM   #6
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
بين الحقيقة والخيال


تحْملنا الحياة من مكان إلى مكان.

وتنتقل بنا التقادير من محيط إلى آخر...

ونحن لا نرى إِلاَّ ما وَقَفَ عثرة في سبيل سيرنا

ولا نسمع سوى صوتٍ يخيفنا.

يتجلى لنا الجمال على كرسي مجده فنقترب منه.

وباسم الشوق ندنّس أذياله,

ونخلع عنه تاج طهره.

يمرُّ بنا الحبُّ مكتسيًا ثوبَ الوداعة, فنخافه ونختبئ في

مغاور الظلمة, أو نتبعه ونفعل باسمه الشرور. والحكيم

بيننا يحمّله نيرًا ثقيلاً وهو ألطف من أنفاس الأزهار

وأرق من نسيماتِ لبنان.

تقف الحكمة في منعطفات الشوارع,

وتنادينا على رؤوس الأشهاد,

فنحسبها بُطلاً ونحتقر متَّبِعِيها.

تدعونا الحرية إلى مائدتها لنلتذَّ بخمرها وأطعمتها, فنذهب ونشره...

فتصير تلك المائدة مسرحًا للابتذال ومجالاً لاحتقار الذات.

تمدُّ الطبيعَةُ نحونا يد الولاء,

وتطلب منا أن نتمتع بجمالها, فنخشى سكينتها ونلتجئ

إلى المدينة, وهناك نتكاثر بعضُنَا على بعض كقطيع رأى ذئبًا خاطفًا.

تزورنا الحقيقة منقادة بابتسامة طفل, أو قبلة محبوبة,

فنوصد دونها أبواب عواطفنا ونغادرها كمجرم دنس

القلب البشري يستنجد بنا,

والنفس تنادينا...

ونحن أشدُّ صَمَمًا من الجماد لا نعي ولا نفهم.

وإذا ما سمع أحد صراخ قلبه ونداء نفسه, قلنا:

هذا ذو جِنَّة, وتبرَّأنا منه.

هكذا تمر الليالي ونحن غافلون.

وتُصَافِحُنَا الأيَّامُ ونحن خائفون من الليالي والأيام.

نقترب من التراب,

والآلهة تنتمي إلينا.

ونمرُّ على خبز الحياة, والمجاعة تتغذى من قوانا.

فما أحب الحياة إلينا,

وما أبعَدَنَا عن الحياة

[ مقال من كتاب (دمعة وابتسامة) ]

ابتهال للموسيقى


أيتها الموسيقى!

يا (أوتربي) المقدسة.

لقد رقصت أَخَوَاتُكِ الفنونُ فيما غبر من الأجيال زمنًا

وَوُضِعْن في معاقل النسيان آخر...

وأنتِ تهزئين بهنّ,

ولم تتنازلي عن مسرح النفس يومًا واحدًا,

كأنَّك صدى القبلة الأولى التي وضعها آدم على شفتيْ حوَّاء.

صدًى له صدًى له صدى تتناقل وتتناسخ وتكتنف الكلّ وتحيا بالكلّ...

يا بْنة النفس والمحبة.

يا إناء مرارة الغرام وحلاوته.

يا أخيِلةَ القلب البشري.

يا ثمرَةَ الحزن وزهرةَ الفرح.

يا رائحةً متصاعدة من طاقة زهور المشاعر المضمومة.

يا لسان المحبين ومذيعة أسرار العاشقين.

يا صائغة الدموع من العواطف المكنونة.

يا موحِيَةَ الشّعر ومنظّمَةَ عقودِ الأوزان.

يا موحّدة الأفكار مع نتف الكلام,

ومؤلّفةَ المشاعر من مؤثِّرات الجمال...

ياأيتها التموّجات الأثيريَّة الحاملة أشباح النفس...

إلى أمواجِكِ نُسَلّم أنفُسَنَا

وفي أعماقك نستودع قلوبنا,

فاحمليها إلى ما وراء المادّة

وأَرِينَا ما تُكِنُّه عوالم الغيب

[ فقرات كتاب (الموسيقى
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:06 PM   #7
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
جمال سلمى كرامة


إن المرأة التي تمنحها الآلهة جمال النفس مشفوعًا

بجمال الجسد هي حقيقة ظاهرة, غامضة نفهمها

بالمحبة ونلمسها بالطهر. وعندما نحاول وصفها بالكلام

تختفي عن بصائرنا وراء ضباب الحيرة والالتباس.

وسلمى كرامة كانت جميلة النفس والجسد, فكيف أصفها لمن لا يعرفها?

هل يستطيع الجالس في ظل أجنحة الموت أن يستحضر تغريدَةَ البلبل,

وهمسَ الوردة,

وتنهيدَة الغدير?

وهل يمنعني التهيب عن إظهار خيالٍ من أخيلة سلمى

بالألفاظ الواهية إذا كنت لا أستطيع أن أرسم حقيقتها

بخطوطٍ من الذهب?...

كانت سلمى نحيلة الجسم تظهر بملابسها البيضاء

الحريرية كأشعة قمر دخلت من النافذة.

وكانت حَرَكَاتُها بطيئة متوازنة أشبه شيء بمقاطيع

الألحان الأصفهانية, وصوتُهَا منخفضًا حلوًا تقطعه

التنهدات, فينسكب من بين شفتيها القرمزيتين مثلما

تتساقط قطرات الندى عن تيجان الزهور بمرور تموجات

الهواء. ووجهها - ومن يا ترى يستطيع أن يصف وجه

سلمى? بأية ألفاظ نقدر أن نصوّر وجهًا حزينًا هادئًا,

محجوبًا - وليس محجوبًا - بنقاب من الاصفرار

الشفاف? بأية لغة نقدر أن نتكلَّم عن مَلاَمِحَ تعلن في كل

دقيقة سرًّا من أسرار النفس, وتذكِّر الناظرين إليها بعالم

روحي بعيد عن هذا العالم?!!

إن الجمال في وجه سلمى لم يكن منطبقًا على المقاييس

التي وضعها البشر للجمال, بل كان غريبًا كالحلم, أو كالرؤيا,

أو كفكرٍ عُلوِيٍّ لا يُقاس

ولا يحد ولا يُنسَخ بريشة المصور, ولا يتجسم برخام الحفار.

جمالُ سلمى لم يكن في شعرها الذهبي, بل في هالة

الطهر المحيطة. ولم يكن في عينيها الكبيرتين, بل في

النور المنبعث منهما. ولا في شفتيها الورديتين, بل في

الحلاوة السائلة عليهما. ولا في عنقها العاجي, بل في

كيفية انحنائه قليلاً إلى الأمام.

جمال سلمى لم يكن في كمال جسدها, بل في نبالة

روحها الشبيهة بشعلة بيضاء متَّقِدَة سابحة بين الأرض واللاّنهاية.

جمالُ سلمى كان نوعًا من ذلك النبوغ الشعريّ الذي

نُشَاهِدُ أشباحه في القصائد السامية والرسوم والأنغام الخالدة.

كانت سلمى كثيرَةَ التفكير قليلة الكلام.

لكنَّ سكوتها كان موسيقيًا, ينتقل بجليسها إلى مسارح

الأحلام البعيدة, ويجعَلُهُ يُصْغِي لنَبَضَاتِ قلبه, ويرى

أخيلة أفكاره وعواطفه منتصبة أمام عينيه.

أمَّا الصفة التي كانت تعانق مزايا سلمى

وتساور أخلاقها,

فهي الكآبة العميقة الجارحة.

والكآبة كانت وشاحًا معنويًّا ترتديه فتزيد

محاسِنَ جَسَدِهَا هيبةً وغرابة, وتظهر أشعة نفسها

من خلال خيوطه كخطوطِ شَجَرَةٍ مزهِرَةٍ من وراء ضباب الصباح

[ مقتطف من كتاب (الأجنحة المتكسرة) ]

ملكة الخيال


بلغتُ خرائب (تدمر) وقد نهكني المسير ...

استلقيت على أعشاب نَبَتَت بين أعمدةٍ سلَّها الدهر

وأناخها إلى الحضيض, فبانت كأنها أشلاءُ حرب هائلة...

ولمَّا جاء الليل,

وتشاركت المخلوقات المُتَنَابِذَة بارتداء ثوب السكينة,

شعرتُ بأنَّ في الأثير المحيط بي سيالاً يضارع البخور عطرًا,

ويعادِلُ الخمر فعلاً...

ثم مادت الأرض,

واهتزَّ الفضاء

فوثبتُ مدفوعًا بقوة سحرية,

فوجدتُني في رياضٍ لم يتخيَّلها بشر, مصحوبًا بجوق من العذارى...

يمشين حولي ولا تلمس أرجلُهُنَّ الأعشاب,

وينشدْنَ تسبيحة منسوجة من أحلام الحب,

ويضرِبْنَ على قيثارات من العاج ...

ولمَّا وصلتُ إلى منفرج قام في وسطه عرشٌ مرصَّع

بالجواهر بين مسارِحَ تنسَكِبُ منها أنوارٌ بلون قوس

قزح... ظَهَرَتْ مليكة من بين الأغصان الزاهرة, ومشت

ببطء نحو العرش واستوت عليه... فهبط إذ ذاك سربُ

حمامٍ كالثلج بياضًا واستقرَّ حول قَدَمَيها بشكلِ هلال.

... وأشارت المليكة... فَسَكَنَتْ كلُّ حركة. ثم قالت

وصوتُهَا يهزُّ نفسي مثلما تفعل يَدُ الموقّع بأوتارِ عودِه,

ويؤثِّر بِمَجْمُوعِ ذاك المحيطِ السّحريّ كأنَّ للأشياء آذانًا وأفئدة:

دعوتُكَ أيها الإنسيّ وأنا ربَّةُ مسارح الخيال,

وحَبَوْتُك المثولَ أمامي وأنا مليكَةُ غابةِ الأحلام,

فاسمع وصاياي ونادِ بها أمام البشر:

إنَّ مدينَةَ الخيال عرسٌ يَخفِرُ بابَه مارِدٌ جبَّار,

فلن يدخله إلاَّ من لبس ثياب العرس.

هي جَنَّةٌ يحرسها ملاكُ المحبَّة,

فلا ينظرها سوى من كان على جبهته وسمُ الحب.

هي حقلُ تصورات, أنهارُه طيّبة كالخمر,

وأطيارُه تسبَحُ كالملائكة

وأزهارُه فائحة العبير... فلا يدوسه غيرُ ابن الأحلام.

خَبّرِ الإنس بأني وهبتُهم كأسًا يفعَمُهَا السرور فهرقوها بجهلهم, فجاء ملاك الظلمة فملأها من

عصير الحزن فَجَرَعُوها صِرْفًا وسَكِرُوا.

قل:

لم يحسن الضربَ على قيثارَةِ الحياة غيرُ الذين

لَمَسَت أنَاملُهُم وِشاحِي, ونَظَرَت أعيُنُهم عرشي.

... إن للفكرة وطنًا أسمى من عالم المرئيَّات

لا تُكَدِّر سماءَه غيومُ السرور... وللتخيلاتِ

رسومًا كائِنَةً في سَمَاءِ الآلهة تنعكس على مرآة النفس...

وَجَذَبَتْني مَلِيكَةُ الخيال نحوَهَا بنظرةٍ سحرِية, وقبَّلت شفتيَّ الملتَهِبَتَين وقالت:

من لاَ يصرف الأيام على مسرح الأحلام

كانَ عبدَ الأيام

[ من مقال في كتاب (دمعة وابتسامة
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:06 PM   #8
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
أَيَّتُها الريح


تَمُرّينَ آنًا مترنّحة فرحة

وآوِنَةً متأوّهة نادبة,

فنسمعك ولا نشاهدك,

ونشعُرُ بك ولا نراك... فكأنَّك بحرٌ من الحب,

يغمر أرواحنا ولا يُغرِقُها,

ويتلاعَبُ بأفئدتنا وهي ساكنة.

تتصاعدين مع الروابي,

وتنخفضين مع الأودية,

وتنبَسِطِين مع السهول والمروج...

ففي تصاعُدِكِ عزم,

وفي انخِفَاضِك رِقّة,

وفي انبِسَاطِك رَشَاقَة...

فكأنّكِ مليكٌ رؤوف يتساهل مع الضعفاء الساقطين

ويترفَّع مَعَ الأقوياء الشَّامخين.

في الخريف تَنُوحينَ في الأودية

فتبكي لنواحك الأشجار.

وفي الشتاء تثورين بشدَّة

فتثورُ مَعَكِ الطَّبيعَةُ بِأَسْرِها.

وفي الرَّبيعِ تعتلّينَ وتَضْعُفين,

ولضعفك تستفيق الحقول.

وفي الصيف تتوارَيْنَ وراء نقاب السكون, فنخالك

ميتًا قتلته سِهَامُ الشمس ثم كفَّنتْهُ بحرارتها...

...أنتِ تحمِلينَ من أَزِقَّة المَدِينَة أنفاسَ العِلل,

ومن الروابي أرواحَ الأزهار.

وهكذا تفعل النفوس الكبيرة التي تحتمل أوجاع

الحياة بسكينة, وبسكينة تلتقي بأفراحها.

أنتِ تهمِسِين في أُذُنِ الوردة أسرارًا غريبة تفهم

مفادَهَا فتضطَرِبُ تارَةً, وطورًا تبتسم.

وهكذا تفعل الآلهة بأرواح البشر.

أنت تُبطِئين هنا,

وتَتَسَارَعِينَ هناك,

وتتراكضين هنالك...

ولكنك لا تقفين أبدًا.

وهكذا تفعل فكرة الإنسان التي تحيا بالحركة

وتَمُوتُ بالسّبَات.

... من الجنوب تجيئين حارة كالمحبة

ومن الشمال تأتينَ بارِدَةً كالمَوت,

ومن المشرق لطيفةً كملامس الأرواح,

ومن المغرب تتدفَّقِينَ شديدَةً كالبغضاء.

أمتقلّبة أنت كالدهر?

أم أنت رسولُ الجهاتِ تُبْلِغِينَ إلينا ما

تَأتَمِنُكِ عليه?

تَمُرِّينَ غاضِبَةً في الصَّحاري

فتدوسين القوافل بقساوة

ثم تُلحِدِينَهَا بلُحُفِ الرّمال.

فهل أنتِ أنتِ ذلك السيال الخفي, المتموجُ

مع أشعة الفجر بين أوراق الغصون, المنسلُّ

كالأحلامِ في منعطفاتِ الأودية حيث تتمايل

الأزهارُ شَغَفًا بك وتَتَخَاصَرُ الأعشاب سُكْرًا من أنفاسك?

... إلى أين تَتَسَارَعِينَ بأرواحنا وتنهُّدَاتِنا وأنفاسنا?

إلى أين تحمِلينَ رُسُومَ ابتِسَامَاتِنا?

وماذا تفعلين بشعلات قلوبنا المتطايرة?

هل تذهبين بها إلى ما وراءَ الشفق, إلى ما وراء هذه الحياة?

أم تَجُرِّينَها فَرِيسَةً إلى المغاور البعيدة

والكهوف المخيفة... وهناك تقذِفِينَهَا يمينًا وشِمَالاً

حتى تضمَحِلَّ وتختفي?

في سكينةِ اللَّيل تُبِيحُ لَكِ القُلُوبُ أَسرارَها.

وعند الفجر تُحَمِّلك العيونُ اهتزازاتِ أجفانها.

فهل أنت ذاكِرَةٌ ما شَعَرَتْ بهِ القلوب وما رَأَتْهُ العيون?

بين جِنْحَيْكِ يستودِعُ الفقيرُ صَدَى انسِحَاقه,

واليتيمُ حُرْقَتَه,

والحزينَةُ تأوّهَاتِها.

وَطَيَّ أثوابِكِ يَضَعُ الغَرِيبُ حَنِينه,

والمتروكُ لهفَتَه,

والسَّاقِطَةُ عَوِيلَ نفسِهَا.

فَهَل أَنتِ حافِظة لهؤلاءِ الصّغار ودائعهم?

أم أنتِ كهذه الأرضِ لا نُودِعُهَا شيئًا إِلاَّ وَتُحَوّلُه إلى جسمها?

أَسَامِعَةٌ أنتِ هذا النداء, وهذا العويل,

وهذا الضجيج, وهذا البكاء?

أم أنتِ كالأقوِيَاءِ مِنَ البَشَر تَمْتدُّ إليهم

الأَكُفُّ فلا يلتفتون, وتتصاعد نحوَهُمُ الأصوات فلا يسمعون?

أسامعة أنت يا حَيَاةً للسامع?

[ من مقال في كتاب (دمعة وابتسامة
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:06 PM   #9
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
الراقصة


جــــــاءت مرةً راقِصَة تُرَافِقُهَا

إلــى بَلاطِ أمير (بركاشا), فأحسنت

ورقصـــت أمامَ الأمير على موسيقى ا

رَقَصَــــتْ رقصةَ اللهب, ورق

ورقصــــة النُّجوم والفَضَاء. ثم رقصت أخيرًا رقصة

ووقَفَـــتْ بعد ذلك أمام العرش,

للأمــير, فأمرها هذا أن تق

(أيتها المـــــرأة الجميلـــــة,

يـــا بْنـــة النعيــم والفــرح,

مـــن أيـــن أتيــتِ بفنــك?

وكيف أُتيحَ لكِ أن تَقُودِي عناصِرَ الطَّبيعة

وتُصَرِّفيهـا عـلى إيقاعاتك وقوافيك?"

انحَنَتِ الرَّاقِصَةُ ثانيةً أمام الأمير, وأجابته:

"أنا لا أعرف, يا صاحب السُّمُوّ والنعمة,

جـوابَ أسئلتك. كلُّ ما أعرِفُهُ هو هذا:

روحُ الفيلســوف تُقيـمُ فـي رأسـه,

وروحُ الشَّـــاعِرِ فـــي قلبـــه,

وروحُ المُغَنّــي تَعِيشُ فـي حَنْجَرَتِـه,

أمـــــا روحُ الرَّاقِصة فإنها تقطُنُ

[ نص معرَّب من كتاب (التائه) ]

أَعْطِني النَّايَ وَغَنِّ


أعطنــــي النَّــــايَ وَغَـــنِّ فالغِنَــــا سِــــرُّ الخــــلود
وأنيــــنُ النَّــــايِ يبقــــى بعــــد أن يفنـــى الوجـــود
هـــل تَخِــذْتَ الغــابَ مِثــلي مــــــنزلاً دون القُصُـــــور
فَتَتَبَّعْـــــــتَ الســــــواقي وتســــــلَّقْتَ الصخـــــور?
هــــل تحــــمَّمْتَ بعِطـــرٍ وتَنَشَّـــــــفْتَ بنـــــــور
وَشَــــرِبْتَ الفَجْـــرَ خَـــمْرًا فـــي كـــؤوسٍ مِــنْ أثــير?
هــل جَلَسْــتَ العَصْــرَ مثــلي بيــــنَ جَفْنَــــاتِ العِنَــــب
والعنـــــــاقيدُ تــــــدلَّت كَثُرَيَّــــــاتِ الــــــذَّهَب?
فَهْــــيَ لِلصَّــــادي عُيُـــونٌ وَلِمَــــنْ جَــــاعَ الطعــــام
وهـــي شَـــهْدٌ وَهْــيَ عِطْــرٌ وَلِمَــــن شَــــاءَ المُــــدَام
أعطنــــي النَّــــايَ وَغَـــنّ فالغنــــا عــــزمُ النفـــوس
وأَنيــــنُ النَّــــايِ يبقــــى بَعْــــدَ أَن تَفْنَـــى الشـــموس
أعطنــــي النَّــــايَ وَغَـــنّ فالغنــــا خــــيرُ العُلُــــوم
وأنيــــنُ النَّــــايِ يبقــــى بعــــد أن تُطْفَــــا النجـــوم
هـــل فَرَشْــتَ العشــبَ ليــلاً وَتَلَحَّـــــــفْتَ الفَضَــــــا
زاهِـــدًا فـــي مـــا ســيأتي ناســـيا مـــا قـــد مضــى
وســــكون الليــــل بَحْـــرٌ موجُــــه فــــي مَسْـــمَعك
وبِصَــــدْرِ اللَّيــــلِ قلـــبٌ خَــــافِقٌ فـــي مَضْجَـــعك?
أَعطِنــــي النَّــــايَ وَغَـــنِّ فالغِنَــــا خَــــيْرُ الصَّـــلاَة
وأنيــــنُ النَّــــايِ يَبْقَــــى بَعْــــدَ أَن تَفْنَــــى الحَيَـــاة


[ مختارات من لازمة المُطَوَّلة الشعرية: (المواكب
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-08-2008, 06:08 PM   #10
Yacine
الإدارة
 
الصورة الرمزية Yacine
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 1,415
معدل تقييم المستوى: 10
Yacine will become famous soon enough Yacine will become famous soon enough
نحن وأنتم

نحن أبناءُ الكآبة وأنتم أبناءُ المَسَرَّات.

نحن أبناء الكآبة.

والكآبة ظِلُّ إِله لا يسكن في جوار القلوب الشريرة.

نحن ذوو النفوس الحزينة.

والحزن كبيرٌ لا تسعه النفوس الصغيرة.

نحن نبكي وننتحب أيها الضاحكون.

ومن يغتسل بدموعه مرة يَظَلّ نَقِيًّا إلى آخِرِ الدهر.

أنتم لا تعرفوننا, أما نحن فنعرِفُكم.

أنتم سائرون بسرعة مع تيارِ نهرِ الحياة فلا تَلْتَفِتُون نحونا,

أما نحن فجالسون على الشاطئ نراكم ونسمعكم.

أنتم لا تَعُونَ صُرَاخَنَا

لأنَّ ضَجِيجَ الأيَّام يملأ آذانكم,

أما نحنُ فنسمَعُ أَغَانيكم

لأنَّ هَمْسَ الليالي قد فَتَحَ مَسَامِعَنا.

نحن نراكم لأنَّكم واقفون في النُّورِ المظلم,

أما أنتم فلا تَرونَنَا لأنَّنا جالسون في الظلمة المنيرة.

نحن أبناء الكآبة.

نحنُ الأنبياء والشعراء والموسيقىون...

وأنتم - أنتم أبناء غفلات المسرات ويقظات الملاهي -

أنتم تضعون قلوبكم بين أيدي الخُلُوّ

لأن أصابع الخلوّ ليّنةُ الملامس,

وترتاحون بقرب الجهالة

لأن بيت الجهالة خالٍ من مرآة ترون

فيها وجوهكم.

نحن نَتَنَهَّد ومع تنهداتنا يتصاعد همسُ الزهور,

وحفيفُ الغصون,

وخريرُ السواقي...

أما أنتم فتضحكون. وقَهْقَهَةُ ضَحِكِكُم تمتزج بسحيقِ الجماجم

وحرتقةِ القُيُود

وعويلِ الهاوية.

نحن نبكي ودمُوعُنا تنسكب في قلب الحياة مثلما

يتساقط الندى من أجفانِ اللَّيل في كَبِدِ الصَّباح,

أما أنتم فتبتسمون ومن جوانِبِ أفواهكم المبتسمة

تنهَرِقُ السُّخرية مثلما يسيل سُمُّ الأفعى على جرح الملسوع.

نحن نبكي لأننا نرى تعاسةَ الأرملة

وشقاءَ اليتيم,

وأنتم تضحكون لأنكم لا ترون غيرَ لمعان الذهب.

نحن نبكي لأننا نسمَعُ أنَّة الفقير

وصراخَ المظلوم,

وأنتم تضحكون لأنكم لا تسمعون سوى رنَّةِ الأقداح.

نحن نبكي لأن أرواحنا منفصلة بالأجساد عَنِ الله,

وأنتم تضحكون لأن أجسادكم تلتصق مرتاحة بالتراب.

نحن أبناء الكآبة وأنتم أبناء المسرات.

فَهَلُمُّوا نضع مآتي كآبتنا وأعمالَ مسرَّاتكم أمام

وجه الشمس.

أنتم بنَيتُمُ (الأهرامَ) من جماجم العبيد.

و(الأهرامُ) جالِسَةٌ الآنَ على الرمال تُحَدِّثُ

الأجيالَ عن خلودنا وفنائكم.

ونحنُ هَدَمنا (الباستيل) بسواعد الأحرار.

و(الباستيل) لفظة تردّدها الأمم

فتباركنا وتلعنكم.

أنتم تتبعون الملاهي. وأظافر الملاهي مَزَّقَتْ ألف

ألفٍ من الشُّهَداء في مسارح رومية وأَنطاكية.

ونحن نلاحق السكينة. وأصابع السكينة نَسَجَتِ

الإلياذة وسفرَ أيوب والتَّائيَّة الكبرى.

أنتم تضاجِعُون الشهوات. وعواصف الشهوات جرفت

ألفَ موكبٍ من أرواح النساء إلى هاوية العار والفجور.

ونحن نعانق الوَحدةَ. وفي ظلال الوحدة تجسَّمَتِ

المعلَّقات وروايةُ هملت وقصيدَةُ دانتي.

أنتم تسامرون المطامع. وأسيافُ المَطَامع أجرت ألف نهر من الدماء.

ونحن نرافق الخيال. وأيدي الخيال أنزلت المعرفة من دائرة النور الأعلى.

نحن أبناء الكآبة

وأنتم أبناء المسرات.

وبين كآبتنا وسرورِكم عقبات صعبَةُ المسالك,

ضيِّقة المعابر,

لا تجتازها خيولكم المطهَّمة,

ولا تسير عليها مركباتكم الجميلة.

نحن نشفق على صغارتكم.

وأنتم تكرهون عظمتنا.

وبين شفقتنا وكرهكم يقف الزمان محتارًا بنا وبكم.

نحن ندنو منكم كالأصدقاء.

وأنتم تهاجموننا كالأعداء.

وبين الصداقة والعداوة هوة عميقة مملوءة بالدموع والدماء.

نحن نبني لكم القصور.

وأنتم تحفرون لنا القبور.

وبين جمال القصر وظلمة القبر تسير الإنسانية بأقدام من حديد.

نحن نفرش سُبُلَكُم بالورود.

وأنتم تغمرون مضاجعنا بالأشواك.

وبين أوراق الوردة وأشواكها تنام الحقيقة نومًا عميقًا أبديّا.

منذ البدء وأنتم تصارعون قوانا اللَّيِّنة بضعفكم الخشن.

تغلبوننا ساعة فتضجون فرحين كالضفادع.

ونغلبكم دهرًا ونظل صامتين كالجبابرة...

نحن أبناء الكآبة.

والكآبة غيوم تمطر العالم خيرًا ومعرفة.

وأنتم أبناء المسرات.

ومهما تعالت مسراتكم فهي كأعمدة الدخان

تهدِمُهَا الرياح

وتُبَدِّدُها العناصر

[ مختارات من مقال في كتاب (العواصف
Yacine غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
جبران خليل جبران


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 08:46 AM.



تبادل اعلاني نصي : ساحات كل الناس
Powered by vBulletin® Version 3.0.0
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By World 4Arab
جميع المواضيع والمشاركات في منتدى الجزائر اليوم لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها.