علي السيار بقلم: علي السيار


عندما يحين المساء، وبعد أن تعود الطيور إلى أوكارها، ويخلو كل حبيب بحبيبه، بعد يوم شاقٍّ من العمل ومشكلات الحياة الصاخبة اللاهبة، وبعد ما أعود إلى أولادي وزوجتي؛ أستمع إلى مشكلاتهم البسيطة العذبة.. أذهب إلى سريري أمسك مصحفي المعطَّر، أتناوله بكل حنوٍّ وشوق وحب وأدب، أشمُّ أوراقه وحروفه المضيئة، أمرِّر يدي على دفَّتيه، كما أفعل مع طفلي الصغير أو كنزي الذي أحلم به، أرفعه بكلتا يديّ وأحضنه قليلاً، ثم أفتح وردي وأتلو ما تيسر من كلمات الله العظيم.

النوم يداعب عيني، والتعب يفتك بي، أمسكت مصحفي ووضعته على أشرف جزء مني.. على قلبي.. ثم على وجهي.. ضاع الألم.. نسيت التعب.. انقشع الهم.. هدأت نفسي.. سرى فيها تيار حلو، بارد عذب، من الوصال والمتعة والأنس، قمت من فوري ألملم نفسي التي كانت مبعثرةً فوجدتها معي خفيفةً سهلةً، تقودني إلى الأرض؛ حيث سجدة طويلة جميلة مريحة، وودت أن تكون سجدة لألف عام على نعمة واحدة؛ هي نعمة القرآن.

رجعت وتذكرت ذلك العربيد الكاهن اللبناني الشهير؛ الذي حاول أن يضاهي القرآن، احتفى به الطغاة الظالمون والعصاة المزورون وأصحاب الزنا والخنى، وأغدقوا عليه من النعم بعد فقر وألم، حاول أن يقلد القرآن، معه حاسوبه العملاق، وقواميس اللغة العربية، وأساطين الأدب والبلاغة، وأموال بني صهيون التي جلبوها من مصادرهم المشهورة المعروفة.. المخدرات والدعارة والربا والإغارة، ومعه تاريخ طويل من المحاولات الفاشلة اليائسة العربيدة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا يحاولون ويفشلون..

لأن محمدًا النبي الأمي الذي نشأ في بيئة أمية في القراءة والكتابة، لكنها كانت بيئةً غنيةً بالرجولة والشهامة وعدم الخسة وعدم الدناءة ويرفضون قبول الضيم أو التدليس والتحريف.. الرسول الأمي ليس معه الحاسوب، ولا أباطيلهم وشياطينهم.. تجد القرآن مع ذلك ليس فيه اختلاف.. ليس فيه حرف يتقدم حرفًا ولا يتأخر، ليس فيه كلمة زائدة ولا تائهة ولا طائشة؛ لأنه من عند الله العظيم الكريم.

وتمَّ اختيار وتأهيل الكتبة والحفاظ لا يخطئ أحدهم بلحن ولا في صرف.. أبدًا كما قال أحدهم: "والله لو كلفوني جبل أحد لنقلته حصاةً بعد حصاة..".

ولما حدث ذلك بعد الفتوحات أقاموا الديار ولم يقعدوها؛ لأن إنسانًا أخطأ في التشكيل، ولم لا والله يقيض له من يحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وهيَّأ له الخليفة الراشد أبا بكر ثم عثمان الصحابي الجليل؛ الذي أراد أن يصلي الظهر أربعًا ولا يأخذ برخصة القصر في الحج؛ حتى لا يفهم الأعراب والبدو خطأً، قام الصحابة ولاموه واستوضحوا منه الأمر، قاموا على ذلك العابد الخاشع الورع الذي أنفق ماله في سبيل هذه الدعوة، ولم يتركوه لأمر فقهي خلافي بسيط، مع هذا الورع، وهذه الاحترافية، وهذه الدقة، يظن أصحاب الأديان الأخرى أن المسلمين الأوائل قد يحرفون في القرآن.

السؤال: لماذا؟! هل هؤلاء الكهان معذورون؟!
في الحقيقة إنه في عرفهم لا مشكلة؛ لأنهم من أول وهلة وهم البشر، يضيفون ويغيِّرون في أصول دينهم، وفي ثوابته وعقيدته، حتى هذه اللحظة، وما فرمان البابا السابق بتبرئة اليهود من حرب سيدنا عيسى ببعيد بعد ألفي عام من إثبات هذه العقيدة وفي عصر الإنترنت والفضائيات؟!!

نعم اليهود الذين حاربوا سيدنا عيسى وقاتلوا الأنبياء ومن سبوا وشتموا الله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (المائدة: من الآية 64)؛ لذا سهل أن يتخيل كل كاهن بأن المسلمين يغيِّرون في كتاب الله، فما بالك بأتباعه؟!

لقد تصور خياله المريض ذلك في حق القرآن، ولم لا والكتب عنده مختلفة متعارضة لذا هو يظن ذلك في حق الكتاب الخاتم ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82).

قد يستقوي بالغرب الفاسد بالحضارة الغربيه العربيدة.. هل تتخيلون حضارة حديثة تحارب الحجاب والعفة وعدم الاختلاط، وتنشر الدعارة واللواط والقمار والربا؟ إنه سعار المادة إنها عبادة الشهوات!.

لقد استشاطت غضبًا وهي تذبح المسلمين ليل نهار من الوريد للوريد، وتسجنهم في سجون كبيرة من الجوع والمرض والفقر والاستبداد وتنصيب حكام ظالمين، أو سجون متوسطة، كأبو غريب وجوانتانامو ومصادرة أموال وأرزاق ومؤسسات أهل الخير وأفراد المسلمين الصالحين وسجنهم، بل وإعدامهم فرادي وجماعات ودولاً.. و سجون صغيرة فردية بمحاصرة الأفراد البسطاء بالجنس والإعلام المأجور الماجن الفاسد إلا من رحم ربي.

لقد استشاطوا غضبًا ولم يفلحوا.. لقد أنفقوا الكثير على حرب الإسلام ثم.. ما زال الإسلام يرسل نوره من بعيد من خلف الأفق.. أو من وسط الركام والدمار.. رغم الظلم والحصار.

ما زالت أنواره تخترق حصونهم المنيعة، وينفذ حاسمًا خاطفًا إلى فلذات أكبادهم، فيدخل منهم رواد الفن والإعلام والمال والرياضة في دين الله أفواجًا، فيزداد سعارهم وإجرامهم، فيعاودون الحرب من جديد بطريقه أعنف وأكثر شيطنة.. ويرسل الإسلام نوره من جديد لامعًا نظيفًا باهرًا.

يسبون النبي فيسمع الناس عن النبي محمد، الخاتم العادل، العفيف النظيف، فيدخلون دينه أو يحترمونه ويسبون الآن القرآن فسيقرأ الناس عنه: ﴿يرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 13).

وبعد قليل سيأتي المساء، وأخلو بكتابي الذي يجود على نفسي من عطاياه وأنواره.