ا
إن حياة الأمم وأحوالها لا تسير على وتيرة واحدة بل إتها تتغير و تتطور على الدوام ويكون هذا التطور تارة على شكل تقدم واعتلاء وطورا على شكل تقهقر وانحطاط والأمة العربية خضعت لهذا القانون العام مثل سائر الأمم وتعرضت لتطورات كثيرة وكبيرة طوال تاريخها المديد ولكنها شذت عن سائر الأمم بالاختلاف الهائل الذي بدا بين ماضيها وحاضرها خلال هذه التطورات .

كانت خارقة في وثبتها نحو المجد والاعتلاء ولكنها صارت بعد ذلك خارجة على المألوف في انحدارها السريع نحو مهاوي التقهقر والانحطاط أيضا .

فلنلق نظرة سريعة على ماضي الأمة العربية : لنترك جانبا ما يعود منه إلى التاريخ القديم ولنغض النظر عن الأدوار الهامة التي كانت لها في تاريخ الحضارة والشعوب التي نزحت من الجزيرة العربية في مختلف العصور ولنقف أمام الوثبة الكبرى التي قامت بها الأمة العربية بعد هجرة النبي العربي العظيم .


قامت الأمة العربية بفتوحات كبيرة جعلت حكمها يمتد قبل انتهاء القرن الأول للهجرة حتى شواطئ المحيط الأطلسي من ناحية وهضبات الصين وأنهر الهند من ناحية أخرى وفتح العرب بهذه الصورة خلال قرن واحد بلادا أوسع مما فتحه الرومان خلال ثمانية قرون .

وقد رافقت هذه الفتوحات السريعة والعظيمة وأعقبها حركات ثقافية وحضارية جبارة أوصلت العرب إلى أعلى المراتب في العلوم والآداب والصناعات .

صارت الأمة العربية حينا من الدهر أرقى أمم الأرض على الإطلاق في ميادين الحضارة جميعها ومما لاجدال فيه أنها كانت معلمة الغرب وباعثة النهضة فيه في أواخر القرون الوسطى وأوائل عهد الانبعاث .

والمؤلفات العربية صارت أغزر منابع العلم والبحث في محافل التفكير جميعا مدة قرون عديدة .

والكلمات العربية التي تسربت إلى اللغات الأوروبية والتي لا تزال تعيش فيها تعطينا أبلغ الأدلة على عمق تأثير الأمة العربية في الحضارة الغربية .

فالقطن والرز والسكر تسمى في عدة لغات أوربية بأسماء مقتبسة من العربية مما يدل على أن الأوربيين تعلموا زراعة هذه المواد وصناعتها من العرب .

وإن أرق أنواع المنسوجات تعرف في الغرب باسم ( موسلين ) musseline وذلك يشهد على أن تلك المنسوجات كانت تنسب إلى مدينة الموصل المشهورة في شمال العراق .

ونوع فاخر من الأقمشة لا يزال يعرف باسم الـ ( داماسقو ) damasco وهذه الكلمة محرفة من اسم دمشق .

وأدق الجلود تسمى في عدة لغات أوربية ( ماروكين ) marocain هذه الكلمة منحدرة من اسم مراكش .

وأجود أنواع الصوف المعروفة في إسبانيا يسمى ( مرنيوس ) merinoc وأصل هذه الكلمة يرجع إلى ( بني مرين ) الذين ملكوا الأندلس في عهودها العربية الزاهرة .

والجارك تسمى في كثير من اللغات الأوربية بأسماء محرفة من كلمة الديوان المعروفة في العربية dogana – douane .

وكلمة ( ماغازين ) الدراجة في اللغات العربية بأشكال مختلفة أصلها العربي كلمة مخزن وشكلها الأسباني يشهد على هذا الأصل شهادة صريحة almagen .

وكلمة ( أرسينال ) ( ترسانة ) التي يستعملها الأوربيون للدلالة على المصانع والمخازن الحربية محرفة من كلمة عربية هي دار الصناعة وشكل هذه الكلمة في الإسبانية لا يترك مجال للشك في هذا الأصل العربي ( دارسانا ) darsana .

والعلوم نفسها لا تزال تحتفظ بكثير من الأسماء العربية فكلمة الجبر أو الجبر algebre مشتقة من ( الجبر والمقابلة ) وكلمتا الإنبيق alambic والكحول alcoolوغيرهما كثير تنحدر من أصول عربية .

حتى أسماء النجوم الغربية المعروفة عند علماء الفلك لا تخلو من كلمات عربية آلثار altar هو ( النسر الطائر ) و (فاما لحوت ) famalhot ماهو إلا ( فم الحوت ) و ( بتلجور ) هو ( بيت الجوزاء ) .

ولا حاجة إلى القول : إن هذه الكلمات والاصطلاحات العلمية والحضارية المتنوعة وأمثالها الكثيرة التي لا تزال تستعمل في اللغات الغربية إنما هي من مخلفات عهد كانت فيه اللغة العربية مرجعا للعلم والبلاد العربية موئلا للحضارة .

في ذلك العهد كان رجال الفكر والعلم في البلاد الأوربية ينهلون من منتهل العلم القائمة في الأندلس ويتهافتون على درس المؤلفات العربية من ترجماتها اللاتينية أو من نصوصها الأصلية وصارت الجامعات تتناقس على اقتناء الكتب العربية واستكمال وسائل تعليم اللغة العربية وكان علماء الفلك مثلا يصرحون بأن معرفة اللغة العربية ضرورية لمن يريد أن يحيط بحقائق هذا العلم وكان رجال الفكر يعترفون بوجه عام أن التبحر في العلم والفلسفة لا يمكن أن يتم من غير درس المؤلفات العربية .

وفي أواخر ذلك العهد صار المفكرون في البلاد الغربية يتساءلون : أيمكن الاستغناء عن اللغة العربية في تحصيل العلوم ؟

ومن ابلغ الأدلة على ذلك ما قاله ( بترارك ) الشهير في أوائل القرن الرابع عشر للميلاد ومن المعلوم أن بترارك يعد من آباء الأدب الإيطالي ومن المبشرين بالنهضة الأوربية وهذه ترجمة حرفية لما كتبه هذا الأديب المفكر العظيم في هذا الشأن : ( ماذا تقولون ؟ استطاع شيشرون أن يكون خطيبا بعد ديموستين وصار فيرجيل شاعرا بعد هوميروس وأنتم تتوهمون مع ذلك بأنه لن ينبغ أحد بعد العرب ! نحن قد ضاهينا اليونان حتى إننا سبقناهم في بعض الأحيان وسبقنا بذلك الأمم جميعها وأنتم تقولون الآن : إننا لن نضاهي العرب ! هل تخدرت عبقرية الطليان وخبت إلى هذا الحد ؟ ) .





ويتبين من هذه الصيحة الحماسية بكل وضوح وجلاء أنه في عهد بترارك الشهير كلن في البلاد الأوربية من يقول باستحالة مضاهاة العرب ومن المؤلم حقا أن تنعكس الآية الآن وتقوم بيننا جماعة تتناقش وتتساءل : أيمكن تعليم العلوم الحديثة باللغة العربية ؟


لا شك في ان الأمة العربية كانت قد وصلت إلى أعلى المراتب في العلم والحضارة ولكنها بعد ذلك انقطعت عن التقدم وجمدت في مكانها ثم أخذت تتقهقر في ميادينها كافة فمدارسها أهملت العلوم بأجمعها وعلماؤها وأدباؤها صاروا يقتصرون على اجترار الأبحاث الدينية واللغوية من غير ابنكار ولا تجديد .

وقد حدث ذلك كله في الوقت الذي أخذ الأوربيون ينهضون نهضتهم المعلومة بفضل العلوم التي اقتبسوها من العرب ثم صاروا يتقدمون في ميادين الابتكار والاختراع بسرعة كبيرة تتزايد يوما بعد يوم .

واستمرت الحال على هذا المنوال قرونا عديدة تخلفت خلالها الأمة عن ركب الحضارة والعلوم تخلفا كبيرا .

نعم إننا معاشر العرب تخلفنا عن قافلة الحضارة بعد أن كنا نسير في طليعتها تأخرنا عن معظم شعوب العالم المتمدن بعد أن كنا نسبقها جميعا وبقينا مدة قرون عديدة نزداد تخلفا وتأخرا في الميادين كافة .

وفضلا عن ذلك لقد ظللنا غافلين عن تخلفنا هذا وغير شاعرين بالأخطار التي صارت تحيق بنا من جراء هذا التخلف حتى إننا صرنا في حقبة من الزمن نعد الجمود فضيلة ونتمسك بأحوالنا الراهنة تمسكا شديدا

إلى أن بدأنا منذ قرون تقريبا نشعر بتخلفنا عن ركب الحضارة ثم صرنا ندرك الأخطار التي نتعرض لها من جراء بقائنا متخلفين عنه وأخيرا أخذنا نعمل لتلافي ما فاتنا خلال هذه الفترة وصرنا نساير تطورات العالم الحديث في مختلف ميادين الحياة من علم وتشريع واقتصاد وصناعة ….. وأخذنا منذ ربع قرن بوجه خاص نسرع الخطا في هذا السبيل .

إننا لا نزال بعيدين عن الهدف المنشود ولكننا سائرون نحوه على كل حال وإننا لا نزال متخلفين عن قافلة الحضارة غير إننا عاملون على اللحاق بها على الدوام ز

و لايجوز لنا بعد أن تأخرنا كثيرا في هذا المضمار أن نترك الأمور تسير سيرها الطبيعي الوئيد بل يترتب علينا أن نعمل كل ما يمكن عمله لتعجيل هذا التطور وجعله يسير سيرا أقرب إلى الهرولة على قدر الإمكان .



فما هو رأيكم حول ما آل إليه حالنا؟؟؟؟؟؟